ما الذي يجعل البلوكشين آمن؟

مشاركة
ما الذي يجعل البلوكشين آمن؟

يتم تأمين البلوكشين من خلال مجموعة متنوعة من الآليات التي تشمل تقنيات التشفير المتقدمة و نظريات تغيير السلوك الرياضية وآليات اتخاذ القرار. تعد تقنية البلوكشين هي البنية الأساسية لمعظم أنظمة العملات الرقمية وهي ما يمنع هذا النوع من النقود الرقمية من التكرار/النسخ أو التدمير.

كما يتم حاليا استكشاف طرق لاستخدام تقنية البلوكشين في سياقات أخرى حيث تكون ثبات البيانات وأمانها ذات قيمة عالية. وتشمل بعض الأمثلة على ذلك تسجيل وتتبع التبرعات الخيرية وقواعد البيانات الطبية وإدارة سلسلة التوريد.

ومع ذلك فإن أمان البلوكشين ليس موضوعًا بسيطًا. لذلك، من المهم فهم المفاهيم الأساسية والآليات التي تمنح حماية قوية لهذه الأنظمة المبتكرة.


مفاهيم الثبات (عدم القابلية للتغير) والتوافق

على الرغم من أن العديد من الميزات مرتبطة بأمان البلوكشين، إلا أن أهمها هما التوافق (الإجماع) و الثبات (عدم القابلية للتغير). يشير التوافق إلى قدرة العقد داخل شبكة البلوكشين الموزعة للاتفاق على الحالة الحقيقية للشبكة وعلى صلاحية المعاملات. عادة تعتمد عملية تحقيق التوافق في الآراء على ما يسمى بخوارزميات الإجماع.

من ناحية أخرى تشير كلمة الثبات إلى قدرة البلوكشين على منع تغيير المعاملات التي تم تأكيدها بالفعل. على الرغم من أن هذه المعاملات تتعلق في الغالب بنقل العملات الرقمية إلا أنها قد تشير أيضًا إلى سجلات الأشكال الأخرى غير النقدية للبيانات الرقمية.

يوفر التوافق و الثبات معا إطارًا لأمان البيانات في شبكات البلوكشين. في حين تضمن خوارزميات الإجماع (التوافق) أن قواعد النظام يتم اتباعها وأن جميع الأطراف المعنية تتفق على الحالة الراهنة للشبكة، يضمن الثبات سلامة البيانات وسجلات المعاملات بعد التأكد من صحة كل مجموعة جديدة من البيانات.


دور التشفير في أمان البلوكشين

تعتمد شبكات البلوكشين بشدة على التشفير لتحقيق أمان البيانات الخاصة بها. إحدى وظائف التشفير الهامة في هذا السياق هي وظيفة التجزئة (Hashing). التجزئة هي عملية تقوم بموجبها خوارزمية تعرف بإسم Hash function باستلام مدخلات البيانات (من أي حجم) وإرجاع مخرجات محددة تحتوي على قيمة ذات طول ثابت.

بغض النظر عن حجم المدخلات ستظهر المخرجات دائمًا بنفس الطول. إذا تغيرت المدخلات، فتتغير المخرجات تمامًا، ولكن اذا لم تتغير المدخلات فسيظل الـ Hash الناتج ثابت دائمًا بغض النظر عن عدد المرات التي تقوم فيها بتشغيل وظيفة التجزئة (الـ Hash function).

في البلوكشين يتم استخدام قيم الإخراج هذه المعروفة باسم التجزئة كمعرفات فريدة لكتل البيانات. يتم إنشاء هاش كل كتلة مرتبطة بهاش الكتلة التي سبقتها. وهذا ما يربط الكتل معا و يشكل سلسلة من الكتل (البلوكشين). علاوة على ذلك، يعتمد هاش الكتلة على البيانات الموجودة داخل هذه الكتلة مما يعني أن أي تغيير يتم إجراؤه على البيانات يتطلب تغييرًا في هاش الكتلة.

لذلك، يتم إنشاء هاش كل كتلة استنادًا إلى البيانات الموجودة داخل تلك الكتلة وهاش الكتلة السابقة. تلعب معرّفات الهاش هذه دورًا رئيسيًا في ضمان أمان البلوكشين ثباته.

يتم أيضًا استخدام التجزئة (Hashing) في خوارزميات الإجماع المستخدمة للتحقق من صحة المعاملات. على سبيل المثال في بلوكشين البيتكوين خوارزمية إثبات العمل (PoW) المستخدمة لتحقيق الإجماع و تعدين العملات الجديدة تستخدم دالة هاش تسمى SHA-256. يأخذ SHA-256 إدخال البيانات ويعيد التجزئة التي يبلغ طولها 256 بت أو 64 حرفًا كما موضح من الإسم. بالإضافة إلى توفير الحماية لسجلات المعاملات في الـ Ledgers. يلعب التشفير أيضًا دورًا في ضمان أمان المحافظ المستخدمة لتخزين وحدات من العملات الرقمية. يتم إنشاء المفاتيح العامة والخاصة المزدوجة التي تسمح للمستخدمين بتلقي المدفوعات وإرسالها على التوالي من خلال استخدام التشفير غير المتماثل أو تشفير المفتاح العام. يتم استخدام المفاتيح الخاصة لإنشاء تواقيع رقمية للمعاملات مما يتيح إمكانية مصادقة ملكية العملات التي يتم إرسالها.

على الرغم من أن التفاصيل خارج نطاق هذه المقالة، إلا أن طبيعة التشفير غير المتماثل تمنع أي شخص باستثناء صاحب المفتاح الخاص من الوصول إلى الأموال المخزنة في محفظة عملة رقمية، وبالتالي الحفاظ على هذه الأموال آمنة حتى يقرر المالك إنفاقها (طالما أن المفتاح الخاص غير مشترك أو مخترق).


الإقتصاد الرقمي (Cryptoeconomics)

بالإضافة إلى علم التشفير، يلعب مفهوم جديد نسبيًا يعرف باسم الإقتصاد الرقمي (cryptoeconomics) دورًا في الحفاظ على أمان شبكات البلوكشين. وهو مرتبط بمجال دراسي يعرف بإسم نظرية اللعبة التي تقوم رياضياً بنماذج صنع القرار بواسطة العناصر العقلانية في الحالات ذات القواعد والمكافآت المحددة مسبقًا. في حين أن نظرية اللعبة التقليدية يمكن تطبيقها على نطاق واسع في مجموعة من الحالات، إلا أن علم الـ cryptoeconomics يحدد ويصف سلوك العقد على أنظمة البلوكشين الموزعة.

باختصار، إن الـ cryptoeconomics هو عبارة عن دراسة للاقتصاديات ضمن بروتوكولات شبكة البلوكشين والنتائج المحتملة التي قد يقدمها تصميمها بناءً على سلوك المشاركين بها. يعتمد الأمن من خلال الـ cryptoeconomics على فكرة أن أنظمة البلوكشين توفر حوافز أكبر للعقد للعمل بأمانة بدلا من محاولتها تبني السلوكيات الخبيثة أو الخاطئة.

مرة أخرى، توفر خوارزمية إجماع إثبات العمل (Proof of Work / PoW) المستخدمة في تعدين البيتكوين مثالاً جيدًا لهذا الهيكل التحفيزي.

عندما أنشأ ساتوشي ناكاموتو إطارا لتعدين البيتكوين تم تصميمه عمدا ليكون عملية مكلفة ومكثفة للموارد. بسبب تعقيدها ومطالبها الحسابية ينطوي التعدين المستخدم في خوارزمية إثبات العمل استثمار كبير من المال والوقت، بغض النظر عن مكان ومن يقوم بتعدين العقد. ولذلك ، فإن مثل هذا الهيكل يوفر عائقا قويا للنشاط الخبيث وحوافز كبيرة لنشاط التعدين النزيه. حيث يتم طرد العقد غير الكافية أو غير الفعالة بسرعة من شبكة البلوكشين في حين أن عامل التعدين النشط والفعال لديه القدرة على الحصول على مكافآت كتلة كبيرة.

بالمثل، فإن هذا التوازن من المخاطر والمكافآت يمنح الحماية أيضًا من الهجمات المحتملة التي يمكن أن يواجهها التوافق/الإجماع عند وضع معدل تجزئة الأغلبية لشبكة البلوكشين في أيدي مجموعة أو كيان واحد. مثل هذه الهجمات معروفة بإسم هجمات الـ 51٪ قد تكون مدمرة للغاية إذا تم تنفيذها بنجاح. نظرا للقدرة التنافسية في نظام تعدين خوارزمية إثبات العمل و حجم شبكة البيتكوين فإن احتمالية وجود فاعل خبيث يسيطر على غالبية العقد هو مستبعد للغاية.

وعلاوة على ذلك، فإن التكلفة في مجال الحوسبة اللازمة للقيام بهجوم بنسبة 51٪ ناجح على شبكة بحجم شبكة البيتكوين ستكون فلكية. مما يجعل الحافز للقيام بمثل هذا الهجوم قليلا للغاية بالنسبة لحجم الاستثمار الكبير للغاية الذي يتطلبه.

تساهم هذه الحقيقة التي تعرف بإسم الخطأ البيزنطي (BFT) في خصائص البلوكشين. والتي هي في الأساس قدرة النظام الموزع على الاستمرار في العمل بشكل طبيعي حتى إذا تعرضت بعض العقد إلى خطر أو عمل ضار.

وطالما بقيت تكلفة إنشاء غالبية العقد الخبيثة باهظة وكانت هناك حوافز أفضل للنشاط الصادق فسيكون النظام قادراً على الازدهار دون حدوث أي خلل كبير.ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن شبكات البلوكشين الصغيرة هي بالتأكيد عرضة لهجوم الإغلبية (هجوم الـ 51٪) لأن معدل التجزئة الإجمالي المخصص لهذه الأنظمة أقل بكثير من البيتكوين.


أفكار ختامية

 تستطيع أنظمة البلوكشين تحقيق مستويات عالية من الأمان كنظم موزعة من خلال الاستخدام المشترك لنظرية الألعاب والتشفير. وكما هو الحال مع جميع الأنظمة تقريبًا، فمن المهم تطبيق مجالي معرفة هذين بشكل صحيح. إن التوازن الدقيق بين اللامركزية والأمان أمر حيوي لبناء شبكة عملات رقمية موثوقة وفعالة.

ومع استمرار تطور استخدام البلوكشين ستتغير أنظمة الأمان الخاصة بهم أيضًا لتلبية احتياجات التطبيقات المختلفة. على سبيل المثال، تعتمد أنظمة البلوكشين الخاصة التي يتم تطويرها حاليًا لمؤسسات الأعمال على الأمان من خلال التحكم في الوصول أكثر من اعتمادها على آليات نظرية الألعاب (أو الـ cryptoeconomics) التي لا غنى عنها لسلامة معظم الكتل العامة العامة.

Loading